محمد عبد الله دراز

39

دستور الأخلاق في القرآن

مقدس » . واستقلال القاعدة الأخلاقية بالنسبة للفرد قد يجعل من الحياة الأخلاقية « خضوعا » . غير أنّ الخضوع المطلق يعتبر نفيا « للحرية » ، وهو تبعا لذلك نفي للأخلاق ذاتها . هذه إحدى النّقاط الشّائكة الّتي تعرض لها المؤلف بالتحليل في فصله الأوّل عن « الإلزام الخلقي » . وهو يؤكد أنّه لا عذر لنا في القول بأنّ ذلك الخضوع « شعوري » و « مقبول » منا بحرية تامة . إذ أننا لو سلمنا أنفسنا عن طواعية للرق ، فلا يمنع ذلك ، أو يقلل من كوننا عبيدا . وإذن فإنّ الأخلاق الحقيقية هي الّتي تضع الضّمير الإنساني في وضع متوسط بين « المثالي » و « الواقعي » ، وتجعله يدمج بينهما . وهذا الدّمج يؤدي إلى تغيير مزدوج في كليهما : ففي عالم الواقع يحدث جديد هو الاتجاه نحو الأفضل ، كما أنّ القاعدة المثالية هي الأخرى باحتكاكها بالحقيقة الحسية تعدل نفسها لتلائم الواقع . فإذا احتدم النّزاع بين واجبين فقد يتعين أن يخلي أحدهما السّبيل أمام الآخر ؛ أو تحتم طبيعة العلاقات المركبة بين الأشياء إيجاد نوع من التّوفيق بينهما ؛ أو قد يسمح الجانب غير المحدد من القاعدة باختيار حرّ يؤكد إنسانية الإنسان . وهكذا نرى أنّ الإلزام الخلقي يستبعد « الخضوع المطلق » مثلما يستبعد « الحرية الفوضوية » ويضع الإنسان في موضعه الحقيقي بين « المادة » الصّرف و « الرّوح » الصّرف . وتنبثق عن فكرة الإلزام فكرة « المسؤولية » ، وهي موضوع الفصل الثّاني . وقد شرح المؤلف جوانبها الأخلاقية ، والدّينية والاجتماعية ، ثم أخذ يدرس بالتفصيل المظهر الأخلاقي لفكرة المسؤولية . ونلاحظ منذ البداية أنّه عني بتأكيد فكرة رئيسية تعتبر محور البحث في هذا الموضوع ؛ وهي أنّ المسؤولية ، كما أقرها القرآن الكريم تتعلق « بالشخصية الإنسانية » في معناها الكامل . فالمسئول ، حسب الشّريعة القرآنية ، « هو